الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
133
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . تعليل للدعوات كلها فإن التوكل والإنابة والمصير تناسب صفة الْعَزِيزُ إذ مثله يعامل بمثل ذلك ، وطلب أن لا يجعلهم فتنة باختلاف معانيه يناسب صفة الْحَكِيمُ ، وكذلك طلب المغفرة لأنهم لما ابتهلوا إليه أن لا يجعلهم فتنة الكافرين وأن يغفر لهم رأوا أن حكمته تناسبها إجابة دعائهم لما فيه من صلاحهم وقد جاءوا سائلينه . [ 6 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 6 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 6 ) تكرير قوله آنفا قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [ الممتحنة : 4 ] إلخ ، أعيد لتأكيد التحريض والحث على عدم إضاعة الائتساء بهم ، وليبنى عليه قوله لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر إلخ . وقرن هذا التأكيد بلام القسم مبالغة في التأكيد . وإنما لم تتصل بفعل كانَ تاء تأنيث مع أن اسمها مؤنث اللفظ لأن تأنيث أسوة غير حقيقي ، ولوقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه بالجار والمجرور . والإسوة هي التي تقدم ذكرها واختلاف القرّاء في همزتها في قوله : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . وقوله : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ بدل من ضمير الخطاب في قوله : لَكُمْ وهو شامل لجميع المخاطبين ، لأن المخاطبين بضمير لَكُمْ المؤمنون في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] فليس ذكر لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ تخصيصا لبعض المؤمنين ولكنه ذكر للتذكير بأن الإيمان باللّه واليوم الآخر يقتضي تأسيهم بالمؤمنين السابقين وهم إبراهيم والذين معه . وأعيد حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد أن الإيمان يستلزم ذلك . والقصد هو زيادة الحث على الائتساء بإبراهيم ومن معه ، وليرتب عليه قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ، وهذا تحذير من العود لما نهوا عنه . ففعل يَتَوَلَّ مضارع تولّى ، فيجوز أن يكون ماضيه بمعنى الإعراض ، أي من لا يرجو اللّه واليوم الآخر ويعرض عن نهي اللّه فإن اللّه غنيّ عن امتثاله . ويجوز عندي أن